أحمد زكي صفوت
125
جمهرة خطب العرب في عصور العربية الزاهرة
« أما بعد : فإنه لا يزال يبلغني أن القائل منكم يقول : إن بنى العباس فىء لنا ، ونخوض في دمائهم ، ونرتع في أموالهم ، ويقبل قولنا فيهم ، وتصدّق دعوانا عليهم ، حكم بلا علم ، وعزم بلا رويّة ! عجبا لمن يطلق بذلك لسانه ، ويحدّث به نفسه ! أبكتاب اللّه تعالى حكم ، أم لسنّة نبيه صلى اللّه عليه وسلم اتّبع ؟ أفي ميلى « 1 » معه طمع ، أم بسط يدي له بالجود أمّل ؟ هيهات ! فاز ذو الحق بما نوى ، وأخطأ ذو الباطل بما تمنّي ، حقّ كل ذي حقّ في يده ، وكل مدّع على حجته ، ويل لمن اغتصب حقّا ، وادعى باطلا ، أفلح من رضى بحكم اللّه ، وخاف من أرغم الحقّ أنفه ، العدل أولى بالأثرة وإن رغم الجاهلون ، حقّ لمن أمر بالمعروف أن يجتنب المنكر ، ومن سلك سبيل العدل أن يصبر على مرارة الحق ، كل نفس تسمو إلى همّتها ، ونعم الصاحب القناعة . أيها الناس ، إن أكرم العبادة الورع ، وأفضل الزاد التقوى ، واعملوا في دنياكم ، وتزوّدوا لآخرتكم ، اتّقوا اللّه حقّ تقاته ولا تموتنّ إلّا وأنتم مسلمون ، وإياكم والعصبية وحميّة الجاهلية ، فإنهما يمحقان الدين ، ويورثان النفاق ، ولا تعاونوا على الإثم والعدوان ، يصلح لكم دينكم ، وتحسن المقالة فيكم . الحق أبلج ، والسبيل منهج ، والباطل لجلج « 2 » ، والناس مختلفون ، ولكلّ في الحق سعة ، من حاربنا حاربناه ،
--> - ابن سهل ، فلما فعل ذلك تحدث الناس بالعراق أن الفضل بن سهل قد غلب على المأمون ، وأنه قد أنزله قصرا حجبه فيه عن أهل بيته ، ووجوه قواده من الخاصة والعامة ، وأنه يبرم الأمور على هواه ، ويستبد بالرأي دونه ، فغضب لذلك بالعراق من كان بها من بني هاشم ، ووجوه الناس ، وأنفوا من غلبة الفضل على المأمون ، واجترموا على الحسن بن سهل بذلك ، وهاجت الفتن في الأمصار ، فكان أول من خرج بالكوفة ابن طباطبا المذكور ، فوجه إليه الحسن بن سهل زهير بن المسيب في عشرة آلاف فواقعهم فهزموه واستباحوا عسكره ، فلما كان من غد اليوم الذي كانت فيه الوقعة ( وذلك يوم الخميس لليلة خلت من رجب سنة 199 ) مات ابن طباطبا فجأة فذكر أن أبا السرايا سمه ، وذلك أن ابن طباطبا لما أحرز ما في عسكر زهير منعه أبا السرايا ، وحظره عليه ، وكان الناس له مطيعين ، فعلم أبو السرايا أنه لا أمر له معه فسمه » . ( 1 ) في الأصل : « أفي مثلي » وهو تحريف ، والصواب ما ذكرته . ( 2 ) أبلج : أي واضح بين . والمنهج الطريق الواضح ، والباطل لجلج : أي يتردد فيه صاحبه فلا يصيب مخرجا .